عبد الرحمن بن أحمد الحنبلي البغدادي الدمشقي
30
مجموع رسائل الحافظ ابن رجب الحنبلي
وإنما يبغض المؤمن والعالم عصاة الثقلين ؛ لأنّ معصيتهم لله اقتضت تقديم أهواء نفوسهم على محبة الله وطاعته ، فكرهوا طاعة الله وأهل طاعته ، ومن أحب الله وأحب طاعته أحب أهل طاعته ، وخصوصًا من دعا إلى طاعته وأمر الناس بها . وأيضًا فإن العلم إذا ظهر في الأرض وعمل به درّت البركات ونزلت الأرزاق فيعيش أهل الأرض كلهم ، حتى النملة وغيرها من الحيوانات ببركته ، ويستبشر أهل السماء بما يرتفع لأهل الأرض من الطاعات والأعمال الصالحات فيستغفرون لمن كان السبب في ذلك . وعكس هذا أن من كتم العلم الذي أمر الله بإظهاره لعنه الله وملائكته وأهل السماء والأرض ، حيث سعى في إطفاء نور الله في الأرض ، الذي بسبب إخفائه تظهر المعاصي والظم والعداوة والبغي . قال الله تعالى : { إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى مِنْ بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتَابِ أُولَئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ } ( 1 ) . وقد قيل أنها نزلت في أهل الكتاب ، الذين كتموا ما عندهم في كتابهم من صفة النبي - صلى الله عليه وسلم - . وكان أبو هريرة يقول : " لَوْلَا آيَةٌ مِنْ كِتَابِ اللَّهِ مَا حَدَّثْتُكُمْ شَيْئًا أَبَدًا . وَيَتْلُو هَذِه الآيَةَ " ( 2 ) . وفي " سنن ابن ماجة " ( 3 ) عن البراء بن عازب ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - " في قوله : { يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ } ( 1 ) قَالَ : " دَوَابّ الأَرْضِ " . وقد روي هذا موقوفًا على البراء ( 4 ) .
--> ( 1 ) البقرة : 159 . ( 2 ) أخرجه البخاري ( 118 ) بلفظ : " لولا آيتان " . ( 3 ) برقم ( 4021 ) . ( 4 ) أخرجه الطبري في " تفسيره " ( 2 / 56 ) .